ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
156
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
قال إني رأيت ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول رأيتهم لي ساجدين . وكذلك جاءت الآية المذكورة هاهنا قبل هذه ، وهي قوله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا فإنه لما طال الفصل أعاد قوله فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب فاعلم ذلك ، وضع يدك عليه . وكذلك الآية التي قبلها ، وهي قوله تعالى : ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة . وكذلك الآية الأخرى ، وهي : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا . ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد قوله عز وجل : وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد . يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ؛ فإنه إنما كرر نداء قومه هاهنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة ، ولأنهم قومه وعشيرته ، وهم فيما يوبقهم من الضلال ، وهو يعلم وجه خلاصهم ، ونصيحتهم عليه واجبة ؛ فهو يتحزن لهم ، ويتلطف بهم ، ويستدعي بذلك ألّا يتهموه ؛ فإن سرورهم سروره ، وغمهم غمه ، وأن ينزلوا على نصيحته لهم ، وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأسد موقعا من الاختصار ؛ فاعرفه إن شاء اللّه تعالى . وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر : فذوقوا عذابي ونذر . ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا ، وفائدته أن يجدّدوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارا وإيقاظا ، وأن يستأنفوا تنبّها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث إليه ، وأن تقرع لهم العصا مرّات لئلا يغلبهم السهو وتستولي عليهم الغفلة . وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن : فبأي آلاء ربكما تكذبان * وذلك عند كل نعمة عدّدها على عباده .